
يا الله يا الله استيقظت منال وهي فزعة تنتحب وتناجي ربها قائلة يا الله حاولت أن تردد الكلمة
بلسانها ولكن أبى لسانها ترديد الكلمة وعلمت أنها ستبدأ يوم جديد بدون أن تنطق ، إذ فقدت القدرة على التحدث إثر صدمة عصبية ، أخذت تتذكر الحلم الذي ينتابها منذ الحادث:إنها تقف أمام نافذه غريبة الشكل ، تطل منها لتجد سلم شاهق الارتفاع وفي أعلى السلم من بعيد تجد زوجها و أبناؤها في حديقة جميلة، تحاول الخروج بصعوبة من النافذة ثم تبدأ بالصعود على السلم لتجد أن السلالم عظيمة الارتفاع وكثيرة الدرجات وكلما تسلقت درجة وجدت أن أمامها الكثير الكثير من الدرجات فترفع يداها إلى السماء مناجية : يا الله يا الله.

تنير منال المصباح بجوارها لتقع عيناها على أخر صورة التقطتها لزوجها وولداها الإثنان ترد إليهم الابتسامة و تسألهم في سرها : ترى هل لهذا الحلم دلالة أنكم في روضة من رياض الجنة؟.هل قبوركم حقا الآن روضة من رياض الجنة؟تدعو الله في سرها أن يكون الأمر هكذا و أن تلتقيهم هناك في الجنة إن شاء الله ....يأتيها وسواس يسألها : لماذا حدث لكي كل هذا أنتي دون الناس و أنتي المؤمنة المصلية .؟؟؟؟ تستعذ بالله من الشيطان الرجيم وتتذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". أخرجه الترمذى

تتوجه منال إلى الحمام لتتوضأ وتصلي وتقرأ القرآن حتى موعد الفجر وقلبها يذكر الله ويحمده على كل حال، وبعد الانتهاء من صلاة الفجر جلست إلى جوار النافذة تتطلع إلى السماء ونور الصباح يبزغ على استحياء ليشق ظلمة ليل طويل ، تذكر زوجها و أبناؤها ثانية ، زوجها الحبيب طبيب الأطفال وولديها محمود في عامه الأول في كلية الطب و مصطفى في السنة النهائية من الثانوية العامة ،وتتذكر يوم كانت مريضة بدور برد قاس وزوجها يهاتفها أن ابن عمته توفاه الله وعليه أن يذهب هو والولدان إلى الجنازة والعزاء في بلدة أهله بالشرقية، تنادي على ولداها محمود ومصطفى وتطلب منهم الاستعداد للسفر مع والدهم ، يطلب منها الابن الكبير أن ينتظر معها لأنها مريضه فترفض وتحدثه عن فضل حضور صلاة الجنازة و الدفن واجب العزاء ، تمر ساعة و يأتي زوجها الحبيب ليطمئن عليها و يرتدي ثيابه استعدادا للسفر ، تقوم بمشقة كي تعد لهم وجبة خفيفة يأكلونها قبل السفر و يودعونها محتضنيين إياها وهي تبعدهم خوفا أن يلتقطوا عدوى البرد فيضحكون ويقول لها مصطفى : مش عارف إزاي يا ماما واحده رياضية زيك تاخد دور برد زي داه؟تبتسم وتقول له : ما علشان أنا رياضية كان لازم يجيلي بالقوة دي...يضحكوا ويودعونها بعد وعدها لهم أن ترتاح حتى عودتهم في المساء...لم تكن تعلم أنها لن تراهم ثانية ، لم تكن تعلم أنهم ذاهبين إلى الشرقية ليس فقط من أجل العزاء ولكن من أجل موتهم...تستعيد ذكريات أخرى لمحادثات تتم بينها وبينهم أثناء رحلة الذهاب حينما توقفوا لشرب القهوة في إحدى الكافيتيريات على الطرق ، كانت تكره أن تتحدث إلى زوجها وهو يقود السيارة وكانت دوما تستحلفه أن لا يرد على الموبايل وهو يقود خاصة إذا ما كان مسافرا،ثم تحدثت إليه ثانية وهو في العزاء وتحدثت مع عمته معتذرة عن عدم حضورها بسبب المرض ، ثم تحدثت إليهم مرة أخيرة وهم يستعدوا للعودة إلى الإسكندرية ، كانوا قد انتهوا من العزاء ، واعتذر سامح زوجها عن المبيت مع العائلة لضرورة العودة لزوجته المريضه واعدا إياهم أن يعودوا جميعا في نهاية الأسبوع ، ترى هل كان يشعر أنهم سيعودوا جميعا ومعهم منال إلى القرية ولكن في عربات إسعاف لتقوم بدفنهم؟.؟؟؟
حينما تحدث إليها زوجها كان صوته حزينا على ابن عمته صديق طفولته وعمره وكان أكثر حزنا أنه مات فجأة ولم يستطع أن يراه أو يودعه ، تحدثت معه منال بهدوء وأخذت تذكره بالذكريات الجميلة وتطلب منه أن يدعو له و أن يذكر الله ولا يحزن فكلنا إلى زوال وموت ..وبعد ساعات من المكالمة لم يصلوا ...ولكن وصلتها مكالمة تعلمها بأنهم أصيبوا في حادث وتم نقلهم إلى المستشفى الميري ، حادثت أخوها فمر عليها مسرعا وذهبوا إلى هناك حيث فاجأتها صدمة موتهم الثلاثه بعد الحادث بدقائق ، إذ انحرفت قاطرة عربة لوري كان يقودها سائق بسرعة غير عادية ، انفجر إطارها ففقد القدرة على السيطرة عليهاوانقلبت على سيارة زوجها وولداها...يا الله يا الله كم كان هذا الخبر قاتلا كم كانت تود أن تصرخ ولكنها لجأت إلى أخيها ووضعت رأسها على كتفه باكية بصمت....وفي صلاة الجنازة تحدث الشيخ الإمام لدقيقة عن زوجها وكم كان رجلا خلوقا على دين وكم كان عطاءا يجزل العطاء لأهل بلدته المحتاجين ثم يسأل الله لأهله الصبر والسلوان مذكرا منال بالحديث القدسي:يقول الله تبارك وتعالى لملائكته : أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون : نعم.فيقول : أقبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون : نعم . فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون:حمدك واسترجع.فيقول الله تعالى:ابنوا لعبدي بيتا أسموه بيت الحمد..
تلجأ منال لحضن زوجة أخيها حبيبتها وصديقتها تبكي وهي تسترجع وتحمدالله على ما أصابها و تسأله الصبر و أن يربط على قلبها....تسمع منال آذان الإقامة فتعود إلى نفسها تسبح الله و تدعوه وتسأله الجنة هي و أبناؤها وزوجها و من صلح من أمة محمد و أن يصلح حالنا ثم تقوم ببعض التمارين التي كانت تمارسها في الصباح يوميا مع الأبناء بعد عودتهم من صلاة الفجرفي المسجد..كانت تحب هذا الوقت من اليوم وكان أبناؤها يقومون بعمل التمارين ويتدربون على الكاتا الخاصة بالكاراتية وكانوا يعلمونها بعض هذه الأوضاع وتضحك قائلة : حادافع عن نفسي ليه؟ و أنا معايا تللات رجال؟ فيقول لها ابنها الأكبر : معلش يا ماما لازم تتعلمي احنا خايفين عليكي ..فتتعلمها وهي تضحك ويمر زوجها ليراهم يتدربون فيضحك ويقول : ماما حتسبقكم وتاخد الحزام الأسود يا شباب فتهدده منال بحركات كاراتيه ضاحكة فيبتسم ويقول : كارتيه ولا كارتون توم وجيري..فيضحك الجميع وتتركهم منال لإعداد الفطور ...

يا الله متى سأتوقف عن مزج الذكريات بواقع حياتي؟؟ تفتح منال اللابتوب الخاص بها كي تتحدث مع أخيها فهذه هي الطريقة الوحيدة التي تستطيع أن تتحدث بها إلى الناس : الكمبيوتر أو الورقة والقلم...تحدثت منال مع أخوها و تشاوروا في أمر السفر إلى العمرة بعد أيام قليلة هي و أخوها وزوجته و أبناؤه الثلاثة، ولدان في عمر يقارب أعمار ولديها و طفلة بدأت تنضم إلى زمرة المراهقات، أمرها أخوها ضاحكا أن تأتي إليهم في المساء لتتعشى معهم و يتناقشوا في أمر العمرة والاستعدات و كي تتفق مع زوجته على الذهاب لشراء المستلزمات لهم جميعا، توافق منال قائلة أنها ستذهب لمقابلة معلمة الصم والبكم كي تتفق معها على البدأ في الدروس بعد العودة من العمرة مباشرة ..فيرد أخوها قائلا : إن شاء الله حترجعي من العمرة وانتي بتتكلمي ومش حنعرف نسكتك.تبتسم منال في هدوء وتنهي الحديث مع أخيها وتقوم للاستعداد ليوم جديد.

تجلس منال في انتظار المعلمة المركز الخاص بالصم والبكم وترى شابات وفتيات صغيرات يتحدثون بالإشارات و تتذكر كيف كانت في بعض الأحيان ترى برنامج على القناة الخامسة يدعى حديث الأصابع وكيف كانت المذيعة ماهرة بتحويل كل المواضيع إلى لغة الإشارات كي يفهمها كل من هو مصاب بالصم والبكم وتذكرت حينما كانت تذهب ع أبناؤها إلى محلات كنتاكي حيث كان كل العاملون بها من الصم والبكم وكيف كان بعض الموظفين يحاولون تعليمها هي والأبناء كيف تقول بعض الكلمات بلغة الإشارة فتسبح الله و هي تتعجب أن تظل طوال سنين حياتها تتحدث و تتكلم باستفاضة وبصورة لبقة أحيانا و مرحة أحيانا أخرى والآن مضى عليها عامان منذ حادث عائلتها وهي لا تستطيع التحدث وتتذكر كيف صمتت عن الكلام أثناء العزاء يوم دفن أسرتها ، حيث جلست في العزاء وسط النساء والسيدات من الأهل والأقارب و المعزيين وفجأة يستأذن أصدقاء أولادها في الدخول عليها لتعزيتها وحينما يدخلون عليها وتراهم تبتسم لهم فيجلسون إلى جوارها على الأرض يبكون ويتحدثون عن صدمتهم في فقد أصحابهم فجأة وهم كانوا معهم حتى يومان مضوا فتبكي بصمت وهي تنظر إليهم ولا تستطيع أن تنطق بكلمة وكلما حاولت أن تقول كلمة ما لتواسيهم أو لتشكرهم لا تستطيع فتصمت وهي تنظر إليهم بعين دامعة ..وبعد ذهابهم تنظر إلى زوجة أخيها وتطالبها بصمت أن تأتي بأخوها وحينما يأتي أخوها تحاول أن تتكلم معه فلا تستطيع ، فتبكي و تصرخ زوجة أخيها حينما تستوعب ما حدث ..وها هي ذا بعد ما يقرب من عام ونصف على الحادث لازالت خرساء.لازالت كما قال الطبيب في حالة صدمة ترفض التحدث .نعم أصبحت تحب الصمت و تحب أن تستمع للناس فهذه حكمة اكتسبتها ..حقا إن الصمت و حسن الانصات للناس يجعل المرء أكثر حكمة ولكنها تتوق أن تقرأ القرآن وترتله كما كانت تفعل عند الفجر وعند كل صلاة.ولكن الله فعال لما يريد ومن يدريها ؟؟.تعود منال إلى الواقع لترى السكرتيرة تبتسم لها مشيرة بأن مديرة المركز تنتظرها

تقف منال أسفل بيت أخيها وتنزل من سيارتها الحبيبة ملوحة لأبناء اخيها الواقفين في البلكون و تفتح الباب الخلفي لتجلب بعض الأشياء التي جلبتها لابنة أخيها، وتلمح شابا ضئيل الجسد يقف إلى جوارها وبيده مطواة ليضعها في جنبها و يأمرها بصوت مهزوز أن تعطيه حافظة نقودها في هدوء

في لحظات تنحني منال وهي تتذكر تدريباتها مع الأبناء ثم تقوم بضرب المطواة من يد الشاب و إيقاعه أرضا ليسقط على رصيف الشارع على رأسه فيصاب بإغمائة، تمسك منال بالمطواه وتخبئها في حقيبتها وتنحني لإنقاذ الشاب ويلتف الناس حولها وتجد أبناء أخيها الإثنان، حسن وحسين ، إلى جوارها في لحظة بعدما شاهدوا ما حدث من أعلى، تطلب صارخة منهم أن يجلبوا الماء فيهرع صاحب الكشك المجاور للمنزل ، عم علي ، لجلب زجاجة مياة معدنية ويعود ليعطيها إليها متسائلا ماذا حدث؟ فتشير لأبناء أخيها أن الشاب وقع بجوارها و فقد وعيه ولا تعلم ماذا حدث له...ترش الماء بهدوء على وجه وهي ترى فيه ملامح شاب في عمر محمود ومصطفى ، يستفيق الفتى ذاهلا حينما يرى منال وهي تجلس إلى جواره على الأرض كي تنقذه ويحاول أن ينهض فتمدده على الأرض متحسسة رأسه و مقربة إليه زجاجة الماء كي يشرب ، وجدت كدمة صغيرة برأسه ولكن لا دماء ولا أثر لجرح واطمأنت لحالته و أخذت بيده مشيرة لأبناء أخوها أن يقود أحدهم السيارة ، وضعته على الكنبة الخلفية وجلست إلى جواره وقاد السيارة حسين بينما جلس حسن وتوجه برأسه إليها قائلا: إحنا شفنا اللي حصل من البلكونه ، نروح على قسم البوليس؟ أشارت لهم منال برأسها أن لا يذهبوا فقط يقودوا السيارة

قاد حسين السيارة متجولا في شوارع الإسكندرية وهو متحفز لأي حركة يقوم بها الشاب الذي لازال تحت تأثير الصدمة و السقطة التي سقطها، تنظر إليه منال وتمسك بالقلم والورقة وتكتب :أنا لا أستطيع التحدث إذ أصابتني صدمة أفقدتني القدرة على النطق و أنت كما أظن تستطيع القراءة والكتابة وليس بالجاهل.ولو تحب أحسن تكتب لي ردك علشان أولاد أخويا ميسمعوش حاجه ويكون الكلام بيننا.ما اسمك؟
رد الشاب : إسمي عمر.
منال: إسم جميل تعرف كان نفسي أسمي ابني الصغير الله يرحمه عمر علشان كنت بحب قوي سيدنا عمر بن عبد العزيز ، خامس الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم جميعا.
عمر: إبن حضرتك مات؟الله يرحمه
منال:أبنائي الاتنين هم و أبوهم توفاهم الله في حادث سيارة منذ عام ونصف.
يصمت عمر وينظر إليها أسفا وترى دموع حائرة في عيونه تود لو تنهمر.
منال: إنت بتدرس يا عمر أو بتشتغل؟
عمر: أنا في كلية التجارة في سنة تالته و باشتغل في انترنت كافيه بعد الظهر .
منال: ما شاء الله يعني المفروض إنك شاب مجتهد بتدرس وتصرف على نفسك؟
يضحك عمر بسخرية قائلا : أنا بقالي تلات سنين حضرتك في سنة تالتة ودي أخر فرصة لي السنة دي لو سقطت خلاص حيرفدوني.
منال: ليه يا عمر بتسقط؟
عمر: حضرتك تعرفي كلية التجارة؟اللي بيدخلها تلاقيه ينجح في المواد الصعبة اللي ماذاكرش فيها ومكتبش فيها يمكن إسمه و يسقط في المواد اللي بيحبها وجاوب فيها كل الأسئلة وافتكر نفسه حيجيب امتياز.
منال: والدك بيشتغل يا عمر؟
عمر: والدي مات من خمس سنين و أنا في سنة أولى في الكلية ، كان بيشتغل في السكة الحديد مجرد موظف غلبان بياخد قرشين كل شهر يستروه هو ومراته وعياله .
منال: والدتك عايشه ؟ وعندك أخوات؟
عمر: أيوه والدتي عايشه وعندي تلات إخوات بنات أصغر مني.
منال : ما شاء الله وماخفتش و إنت بترفع مطواه على واحده في عمر أمك إن أمك تعرف بتشتغل إيه ؟ أو مخفتش تمسك المطواة مرة على واحد أو واحدة ويطلعوا زمايلك؟
عمر:حضرتك دي عربيتك مش كده؟
منال : أيوه .
عمر : يبقى الكلام مالهوش لازمه.علشان إنتي محسيتيش بالفقر قبل كده .محسيتيش يعني إيه ترجعي البيت مافيش في جيبك كام جنيه و إخواتك محتاجين طلبات للمدارس والكلية و أكل وشرب وجهاز لعروسة و أمك محتاجه علاج من قهرتها على إنها تبقى يتيمة وتشيل على كتفها مسؤولية أربع أولاد.
منال: إنت بتحكم عليا من عربيتي؟
عمر : عربيتك دي تعدي المية ألف جنيه...ماهو مافيش دلوقتي عربية بالشكل داه إلا وعدت مية ألف جنيه.إنتي عايشه متنعمه ومتريشه محسيتيش بالفقر .
منال: إيه رأيك تاخد عربيتي دي تبيعها و تاخد كل فلوسها بس بشرط واحد..ترجعلي زوجي و أبنائي؟
يصمت عمر ولا يرد..
منال : ساكت ليه؟حاسألك سؤال؟لما بترجع بيتك مش بتلاقي إخواتك بيتلفوا حواليك و أمك بترفع إيديها للسما تدعيلك عالرزق اللي جايبه وجاي؟ ازاي تدنس رزقك يا عمر؟ ازاي تأكل أمك و أخواتك مال حرام؟والناس اللي بتسرقها دي تعرف منين اللي في محافظهم داه مش قوتهم أو فلوس علاج أو مبلغ هم محتاجينه.
يصرخ عمر محتجا: أنا مسرقتش حد .أنا عمري ما فتحت مطواة على حد .إنتي أول واحدة أعمل معاها كده ..علشان أنا تعبت .تعبت من نظرة أختي العروسة اللي نفسها تكمل جهازها علشان ترفه راسها أدام أهل عريسها.تعبت من نظرة أمي وهي ماسكة الورقة والقلم تحسب المصاريف اللي مبتخلصش واللي اكتر بكتير من القرشين صاغ اللي أبويا أخدهم معاش بعد جهد وتعب طول اليوم شغال في القطارات محصل تذاكر .تعبت من كل حاجه علشان كده قلت ليه لا؟
منال : شيطانك غلبك ؟ زين لك سرقة الناس؟قالك إيه يا عمر؟ إنت مش بتصلي؟
عمر: ينظر إليها خجلا ويقول : أنا كنت باصلي دايما وفي المسجد بس ما أنا صليت ودعيت ربنا .
منال: متكملش يابني استنى .كده إنت بتخرجك عن إيمانك بالله..إنت حتيجي إيه جنب نبيك اللي كان رسول للأمة دي وربنا خيره بين المال والجاه و بين إن يكون عبد فقير فاختار إنه يكون عبد فقير.لو أنا طلعت بيك عالقسم دلوقتي ومعايا المطواة اللي عليها بصماتك و اتحبست و عرفت والدتك بالخبر..حتقول إيه عنك؟ حتقول بيجيبلنا قرش نصرف بيه ونعيش؟ والا حتقول بيأكلنا حرام و حد الله ما بينا وبين الحرام؟
أخواتك البنات حيتجوزوا ازاي ويرفعوا راسهم في المنطقة بتاعتكم؟ عريس أختك ممكن يعمل إيه؟ وقبل كل داه إنت فين من ربنا؟حتتسامح مع نفسك إزاي ؟إنت فاكر إنك حتقدر تكرر القصة دي مع غيري؟لو أنا رفضت أديلك محفظتي كنت حتضربني بالمطواه؟كنت مش بس حرامي بسلاح لا وقاتل؟
عمر: إنتي عايزه مني إيه؟ إنتي مش حتصلحي الكون بكلامك داه .
منال: ليه لا يا عمر؟ مش ربنا أمرنا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر؟مش رسولنا أمرنا لو لقينا منكر نغيره بإيدينا وبلساننا و بقلوبنا وداه أضعف الإيمان؟إنت مش محتاج معجزة علشان ترفض اللي عملته داه النهارده .إنت محتاج إيمان بالله. وأكيد أبوك الله يرحمه زرعه في قلبك.أكيد علمك الصح من الغلط وعلمك انك ترضى ولو بالقليل علشان داه اللي قسمه لك ربنا..صح يا عمر؟ أبوك يقول عنك إيه لو شافك حاطط المطواة في جنبي وبتسرقني؟

تنسال دموع عمر على خديه فتنتظر منال لدقائق ثم تعاود الكتابة:مفكرتش مرة يا عمر في كلمة الرضا؟أنا رضيت باللي حصل لي أنا كان أولادي عمرهم قريب من عمرك وزوجي سكني وحياتي ..أنا كانت حياتي كلها بتدور حوالين منهم التلاته ..كنت باعيش واتنفس بيهم..بس أنا مين من ربنا يا يا عمر؟ ربنا قسم لي كده لو كنت يئست من رحمته كان حيحصل إيه؟لو كنت صرخت وقلت ليه يارب كان حيحصل إيه؟كان ربنا حيطردني من رحمته تماما.صح يا عمر؟زوجي و أولادي الله يرحمهم ماتوا و أنا فخورة بيهم .و إنت أبوك الله يرحمه مات وراسه مرفوعه بيك وعارف إنه سايب راجل ..دلوقتي عايز تفهمني أبوك لسه فخور بيك؟
يطأطأ عمر رأسه صامتا..وتنظر إليه منال وتكتب كلمات قليلة إلى أبناء أخيها تطلب منهم الذهاب إلى أقرب مسجد حيث اقترب وقت صلاة العشاء..وتكتب منال ثانية إلى عمر: حاتفق معاك اتفاق ممكن؟
عمر يهز رأسه صامتا فتكتب منال : العشاء حيأذن حالا .ادخل المسجد معانا توضأ و اخلص النية لله وصلي العشاء في جماعة وصلي السنة لو حسيت إنك عرفت الله و إن اللي حصل بيننا النهارده كان رسالة ليك من الله تطلب منك العودة له حاشوفك عند باب العربية لما أخرج..لو محسيتش بحاجه وكسب الشيطان شاب جديد مش عايزة أشوفك و حامسح بصماتك من عالمطواه و أرميها في البحر..
ينظر إليها عمر ويشير برأسه علامة موافقته

تقف السيارة عند الجامع وينزل الجميع إلى المسجد وتدخل منال إلى منطقة النساء وهي تتوسل الله أن يهدي هذا الشاب وتعده أن تتكفل بأسرته جميعا حتى يتخرج عمر ويعمل ويتزوج وتتزوج البنات..فما لديها من مال ورثته عن زوجها ووالديها يكفيها ويفيض...يؤذن المؤذن فتتفائل منال خيرا وتصلي وبعد انقضاء الصلاة والسنة تنتظر منال قليلا في المسجد حتى لا تخرج في نفس وقت خروج الرجال فتزاحمهم ..ثم تخرج منال من الباب الجانبي وتلتفت إلى السيارة لتجده هناك يقف إلى جوار أبناء أخوها فتشكر الله وتحمده

و تلتفت لتأخذ حذائها فلا تجده..تبحث حولها فلا تجده..لقد تركته عند الباب فمن ترى أخذه؟تشير إلى حسين فيأتي إليها ثلاثتهم فتشير إلى قدميها وهي تضحك .فيضحك الثلاثة معها وتعود إلى السيارة وهي مرتدية للجورب ..
في السيارة تنظر منال إلى عمر وهي مبتسمه لتجده مبتسم وهو يبكي تقريبا.. تسأله إلى أين يريد أن يقلوه بالسيارة؟
عمر: أنا ساكن في مكان مبتدخلش فيه عربية زي دي ..
منال تكتب : يبقى ننزلك في أقرب مكان لبيتك؟على فكرة أنا أحب أتعرف على والدتك و أخواتك البنات في أقرب فرصة.. أنا أعرف رجل أعمال كبير بيحب الخير ويحب يكفل أيتام و ممكن يكفل أخواتك البنات لغاية ما يتجوزوا..أظن دي مش عيب يا عمر ولا فيها ما يخجل؟ داه كافل اليتيم مع رسول الله في الجنة...وعلى فكرة حسين وحسن بيشتغلوا مع والدهم في المستشفى الخاصة بتاعته ..هم أولاد أخويا أحب أعرفك عليهم ...يتعارف حسن وحسين على عمر وتسألهم منال: عمر في كلية التجارة يا شباب و أكيد بابا ممكن يلاقي له شغل في الحسابات ..حسن يا علي بيدرس في كلية الطب و بيجرب في المرضى بتوع أبوه...يبتسم حسن ويضحك حسين قائلا: أنا بقى اللي طلعت من اللعبة بتاعة كلية الطب دي بادرس في كلية الصيدلة زي عمتو منال.بس برضه باشتغل مع والدي في الصيف في المستشفى و أكيد حنلاقي لك وظيفة يا عمر وقريب جداإن شاء الله.
منال: ممكن أخد رقم موبايلك وعنوانك ورقم تليفون البيت علشان آجي أزور الحاجة؟
يكتب عمر البيانات وتعطيه منال رقم الموبايل الخاص بها و بحسين ويبدأ حسين وحسن وعمر حديث وتصمت منال قليلا وهي تبتهل لله عز وجل شاكرة إياه نعمه و آلائه ثم تتوقف السيارة عند موقف الميكروباص فتكتب منال لعمر قائلة :عمر تسمح لي أديلك مبلغ صغير لغاية ما أشوفك بعد يومين لما أزوركم؟حابقى أخصمه من أول مرتب لك إن شاء الله.
عمر: أنا مش عارف أشكرك أو أقولك إيه؟
منال: مش عايزة منك شكر ..أشكر الله إني كنت سبب في طريقك يقربك من الله ويبعدك عن المعاصي.و أذكر الله يذكرك وقرب من ربي يفرج عنك كل كرباتك ويهديك للطريق المستقيم.
عمر: ونعم بالله.أقول لحضرتك السلام عليكم علشان أنا أكيد أخرتك.
منال ترد السلام وينزل عمر من السيارة مصافحا الشباب ثو ينظر إلى منال نظرة كلها شكر وامتنان وثقة بالله ويمضي

في السيارة يتحدث الشباب عما حدث وهم غير مصدقين ويقوموا بمداعبة منال و معاكستها معلقين على تدريبات حماية النفس وكيف أفادتها ...عند الوصول إلى المنزل يقوم حسين بركن السيارة ويتصل بأمه يطلب منها أن تنزل أخته إيمان بحذاء من أحذية والدته لأن حذاء عمته سرق فتكتب له منال سريعا : أمك يا ابني مقاس رجلها 40 إنت ناسي على أد طولها ... أنا مقاسي 36 البسه ازاي داه؟
يضحك الجميع ويطلب حسين من والدته حذاء من أحذية إيمان ويقول لعمته: الحمدلله إن إيمان طالعه ليكي يا عمتو و إلا كنتي تتوهي في حذاؤها هي كمان..
تنزل إيمان بالحذاء لترتديه منال ويخرج الجميع من السيارة و إذا بعم علي صاحب الكشك: إنتم فين يا جماعة أنا كنت عايز أروح من بدري النهارده بس اضطريت استناكم علشان حساب زجاجة المياة ...
ينظر الجميع إلى بعضهم البعض و يقوم حسين بإعطاؤه ثمن الزجاجة ويدخلون إلى مدخل العمارة ليتهالك الشباب ضحكا على هذا الجشع الذي يريد ثمن زجاجة ماء لا يتعدى ثمنها الجنيه في حين أنها كانت لإفاقة شاب واقع على الأرض ومصاب ويقول حسين : ميقدرش إلا إنه يكون جشع طول عمره ...فتكتب لهم منال : أمثال هذا الرجل سبب رئيسي في جعل عمر يفعل ما فعله اليوم..
إيمان : ممكن أفهم بقى إيه اللي حصل؟ احكيلي يا عمتو حسن وحسين قالوا نازلين لعمتو ونزلوا جري و لقيتكم ماشيين بالعربية ...حسين : دي قصة طويلة اوعديني يا عمتو متحكيهاش وتسيبي البنت الفضولية دي تتغاظ لغاية بابا ما ييجي من المستشفى..تبتسم منال وتغمز إيمان ، قرة عينها وحبيبتها ويطلع الجميع إلى البيت.
